الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
168
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وحذفت الياء من أَطِيعُونِ في الموضعين كما حذفت في قوله : فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [ الشعراء : 14 ] في أوائل السورة . وفي قوله : إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ إشارة إلى يوم الجزاء وكانوا ينكرون البعث كما دل عليه قوله في سورة نوح [ 17 ، 18 ] وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً . وتقدم ذكر نوح عند قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً في آل عمران [ 33 ] . [ 111 - 115 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 111 إلى 115 ] قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ( 111 ) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 112 ) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ( 113 ) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ( 114 ) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 115 ) جملة : قالُوا استئناف بياني لما يثيره قوله : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ [ الشعراء : 105 ] من استشراف السامع لمعرفة ما دار بينهم وبين نوح من حوار ، ولذلك حكيت مجادلتهم بطريقة : قالوا ، وقال . والقائلون : هم كبراء القوم الذين تصدّوا لمحاورة نوح . والاستفهام في أَ نُؤْمِنُ استفهام إنكاري ، أي لا نؤمن لك وقد اتّبعك الأرذلون فجملة : وَاتَّبَعَكَ حالية . و الْأَرْذَلُونَ : سقط القوم موصوفون بالرذالة وهي الخسّة والحقارة ، أرادوا بهم ضعفاء القوم وفقراءهم فتكبروا وتعاظموا أن يكونوا والضعفاء سواء في اتّباع نوح . وهذا كما قال عظماء المشركين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما كان من المؤمنين عمّار وبلال وزيد بن حارثة : أنحن نكون تبعا لهؤلاء أطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك . فأنزل اللّه تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ الآيات من سورة الأنعام [ 52 ] . وقرأ الجمهور : وَاتَّبَعَكَ بهمزة وصل وتشديد التاء الفوقية على أنه فعل مضي من صيغة الافتعال . والمعنى : أنهم كانوا من أتباعه أو كانوا أكثر أتباعه . وقرأ يعقوب وأتباعك بهمزة قطع وسكون الفوقية وألف بعد الموحدة على أنه جمع تابع . والمعنى : أنهم أتباعه لا غيرهم فالصيغة صيغة قصر . وجواب نوح عن كلام قومه يحتاج إلى تدقيق في لفظه ومعناه . فأما لفظه فاقتران